الرئيسية » اخبار » كتاب واراء » العرَض والمرَض؟
العرَض والمرَض؟
الكاتب: عبد المنعم سعيد، اراء وكتاب | المصدر :
29/04/2015 - 01:06
هل ما يجرى فى الشرق الأوسط من تطرف وعنف وإرهاب يعبر عن نفسه فى منظمات إرهابية تارة، وفى جماعات إثنية تارة أخرى، أو حروب إقليمية بالأصالة أو الوكالة تارة ثالثة، هى مجرد أعراض لمرض ينبغى البحث عن أسبابه الجذرية، أم أنها فى حد ذاتها مرض أصيل ينبغى البحث عن طريقة للخلاص أو الشفاء منه؟ لهذا السؤال ثلاث إجابات: واحدة تأتى من الغرب وأخرى توجد فى الشرق الأوسط والثالثة يقدمها التاريخ والتجربة العالمية. فى الإجابة الأولى أكثر من مدرسة منها الليبرالى والأخرى اليسارى والثالثة تقع بين هذا وذاك، وربما فيها من يرد الأمر كله للطبيعة الأنثروبولوجية لسكان الشرق الأوسط. الليبرالى يجد الأصول فى الاستبداد، ومن خرجوا من سجون عبدالناصر، وما جاء فى عهده ومن بعده من تقييد فى الحريات السياسية إلى آخر هذا المنطق الذى جرى تطبيقه على مصر، كما كان التطبيق على كل البلدان العربية والشرق أوسطية. تتغير الأسماء والتواريخ، ولكن النتيجة واحدة، قوافل من الشباب القادم إلى الحياة فلا يجد لنفسه مكانا فيلجأ إلى العنف. المشكلة مع هذه الإجابة أن أدب الإرهاب ليس فيه كلمة واحدة لا عن الحرية ولا عن الديمقراطية ولا عن حقوق الإنسان، وبالنسبة له فإن كل هذه الأفكار تنتمى إلى عالم معاد يستحق كل من فيه الإعدام، بشرا، وأفكارا.
 
 
اليسار يشدد كثيرا على التفاوت الاجتماعى، فلأن الفقراء يزدادون فقرا، والأغنياء يزدادون غنى، فإن الفجوة تخلق أسبابا للسخط والغضب، ومع «الانبعاج الشبابى» فى التركيبة السكانية، فإن كثرة لا تجد سبيلا لسوق العمل، فتكون النتيجة حمل السلاح. المدهش فى الموضوع أن المنطقة على ما فيها من تفاوت اجتماعى وطبقى، فإنها أحسن حالا تبعا لمقياس «جينى» من الولايات المتحدة الأمريكية، والبرازيل، والهند، وجنوب أفريقيا. الأخطر أن السيرة الذاتية للإرهابيين لا تعطى دليلاً وحيداً على أن إرهابهم ناجم عن قلة العمل، أو فقر ذات اليد، ولا يوجد لديهم شعار واحد، أو كتاب، أو هدف له علاقة ببناء المجتمعات على أسس تحقق «العدالة». على العكس فإن الجماعات الإرهابية على كثرتها وتعدد مشاربها، تقيم مستقبلها على أساس استبعاد الأقليات، وانتهاك حقوق المرأة، وذبح كل ما هو أجنبى أو مخالف. ما بين الليبرالى واليسارى توجد خلطات متنوعة، يرد بعضها الأمر للإسلام، والبعض الآخر يرده إلى منطقة فاشلة فى اللحاق بالعصر فتفرغت للقتل. هل تذكرون كتاب توماس فريدمان عن العربة «ليكساس وشجرة الزيتون»، حيث تمثل العربة التقدم والعولمة، بينما الشجرة فإنها حاملة لتقاليد لا تفنى من التخلف؟.
 
الإجابة الشرق أوسطية فيها الكثير من «التبرير»، فالعنف والإرهاب ما هو إلا منتج لأحداث جرت خارج المنطقة، قام بها الاستعمار وقوى أجنبية تكالبت على الشرق الأوسط فكان العنف هو الرد. فلم تكن هناك صدفة أن حركة الإخوان المسلمين تكونت بعد سقوط دولة الخلافة عام ١٩٢٤ بأربع سنوات فقط لتبدأ تاريخ الحركات الإرهابية المتشحة بلباس الدين. أضف إلى ذلك هزيمة يونيو ١٩٦٧، ومن قبله هزيمة حرب فلسطين ١٩٤٨، ومن بعده حرب الخليج الأولى وتدمير العراق فى ١٩٩١ ثم بعد ذلك غزوه فى ٢٠٠٣، ودخول بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية وحاضرتها التاريخية. المشكلة مع هذا المنطق أن ٩٥٪ من ضحايا الإرهاب ليس لهم علاقة بمثل هذه الأحداث، فهم مسلمون سنة على الأغلب، وشيعة فى بعض الأحيان، وعرب فى معظم الوقت.
 
الإجابة التاريخية والعالمية تقول إن التطرف والعنف والإرهاب هى جزء لا يتجزأ من تاريخ وحضارة المجتمعات سواء كانت هذه ذات طبيعة دينية متعصبة أو علمانية متطرفة. بشكل عام فإن فكرة «الإرهاب الثورى» كانت أساسية فى الفكر الشيوعى اللينينى، وفى التاريخ المسيحى واليهودى، وحتى البوذى فإن الإرهاب كان جزءا عضويا من الأيديولوجية يظهر عندما تتكامل له الظروف القيادية والتنظيمية لتطبيقه. «الفاشية» و«النازية» كانت أعظم الأمثلة التى لم تتورع عن عمليات القتل الجماعى لليهود والغجر والسلافيين، وكل من دخل فى إطار الأمم «المنحطة». وفى دول غربية كثيرة فإن عصابات إرهابية تكونت لنسف عيادات أطباء لأنه تجرى فيها ممارسة الإجهاض. والأمر الآن فى الشرق الأوسط ليس مختلفا عما جرى فى دول ومناطق وحضارات كثيرة، ولم تكن هناك نتيجة إلا أولا الاعترف بوجود المرض، ثم بعد ذلك استئصاله بعمليات جراحية. فلا يمكن فى الحقيقة التفاوض أو التفاهم مع «داعش» أو «القاعدة» أو «أنصار بيت المقدس»، أو أيا كانت المسميات، فلم يحدث تاريخيا استيعاب أو احتضان مثل هذه الجماعات فى «حلول سياسية» من نوع أو آخر.
 
كثيرون فى مجتمعاتنا، ومجتمعات أخرى، لا يفهمون هذه الحقيقة، وكان ذلك ما جرى عندما انعقد الاجتماع الأول لمجموعة العمل الاستراتيجى للشرق الأوسط Middle East Strategy Task Force -MEST فى ٢١ إبريل الجارى عندما جرى عرض السؤال عما إذا كان ما يجرى فى الشرق الأوسط «عرض أم مرض». وقبلها فإن باراك أوباما، ومن قبله، وصدق أو لا تصدق، جورج بوش، عرضا أن هناك أسبابا جذرية قائمة فى مجتمعاتنا Root Causes تعد هى السبب فى الظاهرة الإرهابية. وكان تعليقى الذى ذكرته هو أن التطرف الذى هو المقدمة الطبيعية للإرهاب هو مرض موجود فى المجتمعات المختلفة، ولكنه يظهر، ويطفو على السطح، عندما تتوافر له ظروف موضوعية بحيث تطرحه لحل مشكلات المجتمع وتناقضاته.
 
هنا فإن تفادى هذا المصير المؤلم فى إطار ظروفنا يكون من خلال ثلاث عمليات متزامنة لابد منها لإرجاع المارد إلى القمقم مرة أخرى. العملية الأولى هى استرداد الدين من مختطفيه، وهو اختطاف جرى فى النص، بقدر ما جرى للبشر. فخلال العقود الماضية لم تقم جماعات الإخوان المسلمين وباقى الجماعات الأخرى حتى نصل إلى «داعش» فقط باختطاف النص الدينى وتحريفه لكى يضع خاتم الشرعية على أعماله، وإنما عمدت إلى نزع الشرعية عن كافة المؤسسات الدينية فى الدولة حتى تخلو لها الساحة تقطع فيها ما تشاء من الرقاب. العملية الثانية هى استرداد الدولة مرة أخرى، بحيث تعود لها هيبتها ومكانتها كتنظيم اجتماعى مهمته حماية المجتمع والحفاظ عليه وتنظيم حركته بحيث تكفل له فى إطار من الشرعية- القدرة على التقدم وحصول الأفراد على حقهم فى المشاركة والاختيار. العملية الثالثة لا تقل تشعبا أو تعقيدا عن السابقتين، وهى بناء النظام الإقليمى Regional Order فى مواجهة الجماعات الإرهابية. لاحظ هنا أن «داعش» كان أصوله فى العراق، ولكن قاعدة بنائه الجديد كانت فى الرقة السورية، والتى منها كان الانطلاق إلى الموصل فى العراق، ومن هناك قامت دولة الخلافة المزعومة، التى أعلنت جماعة بيت المقدس ولاءها وتبعيتها لها. الإقليم هو ساحة المعركة الكبرى، ونافذتها إلى باقى الأقاليم المحيطة فى أفريقيا جنوبا حتى بوكو حرام فى نيجيريا، وشرقا حتى القاعدة فى أفغانستان. ولكل هذه العمليات تفاصيل كثيرة!.
اضف تعقيب
الإسم
عنوان التعليق
التعليق
ارسل
تنويه :تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط .
1
ابحث عن اسباب العنف
هذا الكاتب الذى يتحدث عن العنف يمارس الدجل السياسى باحتراف!! فهو من اوائل الذين ساعدوا على العنف وايدوه وذلك من خلال دعم الانقلاب العسكرى الذى حدث فى بلده مصر!! وقد قتلوا الالاف من المعتصمين السلميين حتى يستطيعوا الاستيلاء على السلطة المنتخبة من الشعب بقوة السلاح واصبح اليوم السيسى رئيس بانقلاب عسكرى فاشى!! اين حمرة الخجل؟؟
ابوعبدالله - 21/05/2015