الرئيسية » اخبار » كتاب واراء » بعض من الفرحة يكفى..!
بعض من الفرحة يكفى..!
الكاتب: عبد المنعم سعيد | المصدر :
02/08/2015 - 01:30
بعض من الفرحة مفيد للغاية، يعيد الثقة بالنفس لأنه تتويج لإنجاز حدث، ويرفع «أدرينالين» الطاقة في الجسم والأمة لكى تذهب إلى إنجاز آخر، وربما يخلق نموذجا من نوع أو آخر يمكن تطبيقه لتحقيق نجاحات أخرى. بشكل ما فإننى أشعر مع كل المصريين كما لو كان التاريخ يتحرك في دمائنا من جديد، ولمن عاش قصة قناة السويس مع مصر من التأميم إلى العبور، إلى أول مشروع أعرفه لتطوير «محور» القناة عام 1996، حتى بدأ تنفيذه منذ عام، سوف يتعلم أن الأحلام يمكنها أن تتجسد في حقيقة. لاحظ أن الفرحة هنا تحدث وسط غابة من الأحزان تجمع الدموع في المآقى، ومَن منا لم يغالبه الدمع ساعة حديث السيدة الجليلة والدة الشهيد في حفل تخريج دفعة جديدة من كلية الشرطة؟ ربما كان إنجاز تفريعة قناة السويس الجديدة هو الانتصار لتضحية الأم، وثمن فراق «الغالى»، ولكنها لحظة في النهاية تجعلنا نعرف ما معنى الوطن.
 
بالنسبة لجيلنا فقد عشنا هذه اللحظة مرات عديدة، استمعنا مباشرة لخطاب عبدالناصر في تأميم القناة، فرحنا أيامها كما لو كانت هذه آخر الأفراح، ولكننا استيقظنا ذات يوم أسود عندما ضاعت من أيدينا في يونيو 1967. ولكن الفرحة عادت مرة أخرى ساعة عبور القناة، وكنا ساعتها مع العابرين، لم يكن الأمر وقتها فقط استعادة أرض محتلة وتخلصاً من عار، وإنما فرحة بالقدرة، وانتصار على الشك وانعدام اليقين. ساعة التأميم، ووقت العبور، كانت الفرحة ليس فقط لما تحقق، وإنما، وربما كان لا يقل أهمية، ما هو المنتظر تحقيقة؟ ولكن في كل مرة كان ما تحقق أقل مما توقعنا، وما وصلنا إليه كان القليل، وبالتأكيد فإن النهاية كانت ما لا نستحق. لم نتغلب على حالة الإخفاق التاريخى المزمن منذ قامت الدولة الحديثة على يد محمد على، وربما جرى استخدام أحبار لا تقل في جريانها وقراءة ما كُتب بها عما جرى من مياه في قناة السويس، في البحث عن أسباب اللعنة التي جعلتنا نتقدم ثم نتراجع، ننتصر ثم نُهزم، ننجز ثم نتوقف عن الإنجاز. وربما لخص الرئيس جمال عبدالناصر الموقف ذات مرة عندما تساءل بجدية شديدة: «لماذا نجحنا في إدارة قناة السويس، وفشلنا في إدارة قصر العينى؟».
 
تلك هي المسألة، ربما. الوطن كله يغرق في حالة الفرحة حتى يتصور أن ما جرى هو بديل لكل شىء آخر، ومن الجائز أن في الأمر عطشاً للنجاح، ومن الممكن أن الإعلام يحول عملا بشريا خلاقا إلى «معجزة ما لها أنبياء»، فتضيع الأسباب وتضحيات من عمل ومن صمم ومن نفذ ومن اتخذ القرار، وجماعة منا تراه لصيقاً بجينات التخلف الكامنة فينا، ولكن المرجح أننا لا نعلم على وجه التحديد، وتوفى عبدالناصر وهو لا يعرف لماذا لا نستطيع إدارة قصر العينى؟ لذلك فإن بعضا من الفرحة يكفى، والزيادة فيها لا تلائم مقتضى الحال مع عدد من الضحايا اقترب من خمسة آلاف مصرى منذ بداية عهد الثورات، ولكن الأهم هو ألا تصيبنا بالعمى عن التحديات التي تواجهنا والتى من السهل عدها، والأرجح أن الخطير فيها أننا نراها فرادى ولا نراها جزءاً من المعضلة الكبرى لكيف نحقق التقدم، وكيف تكون قناة السويس الجديدة مصر جديدة فعلاً وحقاً؟
 
والحقيقة أننى لا أعرف ما إذا كان قصر العينى قد حسنت إدارته أم لا، ولكن ربما لو كان عبدالناصر معنا الآن لصاغ السؤال بطريقة أخرى، وهى: كيف نجحنا في مشروع القناة الجديدة وفشلنا في إدارة مجرى نهر النيل، ولماذا تغرق لنا سفن، أو يموت منا مصريون في حوادث الطرق أكثر ممن استشهدوا في معارك الدفاع عن الوطن؟ هل نستطيع أن نضع الأمور في حجمها، وهو ليس قليلاً، ونضع الشعب المصرى في مزاج أن ذلك هو المقدمة، وما بقى وعر وطويل؟ نحن في الخطوة الأولى من طريق الألف ميل، ولكن استكمال السير- وبالسرعة الكافية- قد بات هو القضية. نعم، لقد تعلمنا كيف نختصر الزمن، وتلقينا درساً في كيفية الاستثمار، وأنجزنا تحت النار واللهب، ولكن ما بقى أكبر بكثير مما تحقق. وعندما تصل مصر إلى عدد سكان قدره مائة مليون في القريب العاجل، فإنها سوف تحتاج عشرات من مشروعات قناة السويس الجديدة تنفذ بنفس الاحتراف والكفاءة، وساعتها سوف تكون هزيمة الإرهاب ساحقة، وبصراحة فربما كانت الحكمة المصرية «دارى على شمعتك تقيد» على حق!.
 
اضف تعقيب
الإسم
عنوان التعليق
التعليق
ارسل
تنويه :تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط .